ثمة مساءات
تعلن تحولا خفيا في العالم، ليس لأن الشمس قد غابت، وإنما لأن شيئا أخذ يتبدل في العلاقة
بين الإنسان وما يحيط به، لم يتغير المكان وحده، ولا الإنسان وحده، بل هذا النسيج
غير المرئي الذي يخلق الصلة بين الأشياء، فيجعل الأنهار أكثر من مياه، والبيوت
أكثر من جدران، والوجوه أكثر من ملامح.
قديما، أدرك
الإنسان العالم بوصفه شبكة من العلاقات
الحية، وكان العالم يعرف كيف يحتفظ بالأشياء إلى جوار بعضها، فلم تكن الشجرة بعيدة
عن البيت، ولا البيت بعيدا عن الطريق، ولا الطريق بعيدا عن الحكاية، وكانت الأشياء
تتجاور كما تتجاور الكلمات في عبارة جميلة، ليس لأن بينها قانونا، بل لأن بينها
معنى.
لم يكن الظل
منفصلا عن الشجرة، ولا النافذة منفصلة عن الضوء، ولا الإنسان منفصلا عن المكان
الذي يمنحه اسمه وذاكرته، كان كل شيء يشير إلى شيء آخر، حتى بدا العالم أشبه بنص
واحد تتساند عباراته، وتضيء معانيه بعضها بعضا، أما اليوم، فيغدو العالم -شيئا
فشيئا- شبكة من الوظائف، والبيانات، والمسافات المختصرة.
لم يكن العالم مجموعة
من الموجودات المتجاورة بل نظاما دقيقا من الألفة، تتحدد فيه قيمة كل شيء بما
يربطه بغيره، ولم تكن الأشياء هي التي تمنح الحياة معناها، ولكن، كانت العلاقات
التي تنسجها، فما قيمة الطريق إن لم يقودنا إلى لقاء؟! وما معنى البيت إذا لم
يحتفظ بأصداء من سكنوه؟! وما الذي يجعل النهر أكثر من مجرى، إن لم يكن الزمن الذي
مضى على ضفافه، والوجوه التي انعكست على صفحته، والأحلام التي حملها من منبعه إلى
مصبه؟!
كان الإنسان
يجد نفسه في تفاصيله، يعرف مواقيت الفصول من رائحة الهواء، ويقرأ تغير الأيام في
صمت الأشجار، يحتفظ الطريق الذي يسلكه كل صباح بخطواته كما يحتفظ الوجه بملامحه.
تغير العالم في
صمت، ربما بقيت الأشجار في أماكنها، وظلت الأنهار تجري، واستمرت البيوت واقفة على
عتباتها، لكن الخيوط التي كانت تصل بينها أخذت تتراخى في هدوء، وعندها لم نفقد
الأشياء، بل تبدل معناها، فلم تعد الشجرة تشير إلى الظل، ولا البيت إلى السكينة،
ولا الوجه إلى الذاكرة.
تحولت الأشياء إلى
وحدات مستقلة، مكتفية في ذاتها، تؤدي وظائفها بكفاءة، لكنها لم تعد تروي الحكاية
التي كانت تجمعها، لم تفقد الطبيعة ظهورها، لكنها فقدت شيئا من صوتها، ذلك الصوت
الذي لم يكن يسمع بالأذن، بل بطريقة العيش، فنحن لا نعيش بين أشياء أقل، بل بين علاقات
أقل قدرة على إنتاج المعنى.
لم يكن هذا
التحول وليد رغبة في القطيعة مع العالم، بل ثمرة مسار طويل أراد فيه الإنسان أن
يعرف الأشياء من الخارج أكثر مما يعرف دواخلها، صار يقيسها بدقة، ويحللها بمهارة،
ويعيد تشكيلها بقدرة لم تعرفها الحضارات السابقة.
وحين تنفصل المعرفة
عن المجاورة، قد تضيء شيئا من جهة، لكنها تترك جهات أخرى في العتمة، فمن يعرف
تركيب الوردة لن يعرف بالضرورة سر حضورها، ومن يستطيع تفسير حركة الطيور قد يعجز
عن استعادة الألفة التي كانت تملأ أجنحتها عند المغيب.
والسؤال الذي
يستحق التأمل هنا لا يتعلق بما كسبناه، أو ماذا خسرنا، بل يتعلق بطبيعة العلاقات،
وأي شكل للعلاقة أصبح ممكنا، وأي نوع منها أخذ يتوارى في صمت.
لا يعيش الإنسان
بالخبز وحده، ولا بالمعرفة وحدها، ولا بالتقنية وحدها، إنه يعيش أيضا بما ينسجه من
علاقات غير مرئية مع ما يحيط به، علاقات لا تقاس بالمنفعة، ولا تخضع للحساب، ولا
يمكن اختزالها في لغة الأرقام، فالوقوف أمام البحر لا يمنحنا شيئا لنملكه، لكنه
يمنحنا ما يصعب الاستغناء عنه، ربما شعورا بأن العالم أكبر من حاجاتنا، وأوسع من
مشروعاتنا، وأغنى من أن يختزل فيما نستطيع استخدامه، وحين يضعف هذا الشعور، لا
تصبح الطبيعة أفقر، بل يصبح الإنسان أقل قدرة على الإصغاء، فالعالم لا يتوقف عن
الحديث، وإنما تتغير اللغة التي نصغي بها إليه.
قد تمر الريح
بين الأشجار كما كانت تفعل منذ آلاف السنين، لكننا نكون قد فقدنا الوقت الذي يسمح
لنا بسماعها، وقد يظل الغروب يلون السماء بالألوان نفسها، بينما تنصرف أبصارنا إلى
ما تضيئه الشاشات، لا تبدأ المسافة بين الإنسان والطبيعة حين يبتعد عنها، بل حين
يتوقف عن الإحساس بأنها تشاركه الوجود، عندئذ لا تعود الأرض وطنا، بل تغدو فضاءات
للعبور، أو مخزنا للموارد، أو سطحا تتحرك فوقه الحياة من غير أن تمس أعماقها.
تختلف الأمكنة،
وإن تشابهت مبانيها، فالمكان ليس مساحة تحددها الإحداثيات، ولا رقعة يمكن رسم
حدودها على الخريطة، بل طبقة من الزمن استقرت فوق الأرض، يحتفظ المكان بخطوات العابرين
كما تحتفظ الجبال بصدى الصوت، وتعرف الأزقة وجوه أطفالها كما تعرف الأشجار مواسمها،
فلم تكن الساحات فراغات بين البيوت، بل كانت عامرة بما دار فيها من لقاءات،
وخلافات، وأفراح، وأحاديث عابرة لم يدونها أحد، لكنها بقيت تسكن الجدران كما يبقى
العطر في الثوب بعد غياب صاحبه، فلكل مكان طريقته في استقبال الصباح، ورائحته بعد
المطر، وإيقاعه عند الغروب، وكانت الأمكنة تمنح الإنسان شيئا من شخصيتها، كما
يمنحها هو شيئا من حضوره.
ودخل المكان
زمن التحول، وأخذ على مهل يفقد خصوصيته، لأن العلاقة التي كانت تمنحه فرادته أخذت
تضعف، صار الوصول إليه أيسر من التعرف عليه، وأصبح المرور به أسرع من الإقامة فيه،
وغدت الأمكنة تؤدي وظائفها بكفاءة غير مسبوقة، لكنها أصبحت أقل قدرة على الاحتفاظ
بالحكايات، يمر بها عدد لا يحصى من البشر، لكنها لا تكاد تعرف أحدا منهم.
نعبر مدينة
كاملة مسترشدين بالشاشات، دون أن نسأل أي شخص عن الطريق، وكلما ازدادت الأمكنة
وضوحا على الخرائط، ازدادت غموضا في الذاكرة، فالبيت الذي كنا نبنيه ليكون امتدادا
للعائلة، ينظر إليه بوصفه عقارا، والطريق الذي كان يجمع بين البيوت، صار يقاس بزمن
العبور، والساحة التي كانت تصنع الجوار، أصبحت تؤدي وظيفة المرور، لم تتغير
الحجارة، وإنما تبدلت الحكايات التي كانت تجعل منه مكانا.
لا يشعر
الإنسان بالغربة حين يسافر فقط، فالغربة ليست بعدا عن مكان مألوف فحسب، بل انقطاعا
عن علاقة كانت تمنح ذلك المكان معناه، وقد يعود المرء إلى الشارع الذي عرفه طفلا،
فيجده كما هو، ثم يكتشف، بعد خطوات قليلة، أن الذي تغير ليس الشارع، وإنما الطريقة
التي أصبح العالم يحضر بها في داخله.
لا يوجد المكان
إلا بالآخر، فالبيت، مهما اتسعت جدرانه، لا يصبح بيتا إلا بمن يقطنوه، والطريق لا
يصير طريقا إلا بمن يلتقي عليه، والساحة لا تتحول إلى فضاء عام إلا حين تتقاطع
فيها الحيوات، فالمكان ليس ترتيبا للحجارة، بل ترتيبا للعلاقات، وكلما تبدلت طريقة
سكنانا للأمكنة، تبدلت طريقة حضورنا في حياة بعضنا بعضا.
جاء التحول على
مهل، حتى أصبح جزءا من إيقاع الحياة اليومية، كان اللقاء يحتاج إلى وقت، وكان
الوقت جزءا من معناه، يبدأ قبل أن يبدأ الحديث، ويستمر بعد انتهائه، كانت الوجوه تقرأ
ببطء، وكانت الكلمات تجد إيقاعها في الصمت الذي يفصل بينها، فلم يكن الصمت نقصا في
الكلام، بل شرطا من شروطه، ففيه كانت النظرات تكمل ما عجزت عنه اللغة، وكانت
الملامح تقول ما لا تستطيع العبارة أن تقوله.
صارت العلاقات
تميل إلى الاختصار، كما تميل الطرق إلى الاستقامة، وكأن التفافات الحياة القديمة
كلها أصبحت عبئا ينبغي التخلص منه، فلم يعد الانتظار فضيلة، ولا التمهل ضرورة، ولا
الإصغاء من حسن الحوار، كل شيء يدعو إلى العبور، وقليل من الأشياء يدعو إلى البقاء.
ولكن، لا
يستطيع الإنسان أن يعيش بالعبور وحده، ففي داخله حاجة لا تستجيب لمنطق السرعة،
حاجة إلى أن يشعر بأنه مرئي، لا منظور إليه فحسب، وأن وجوده يترك أثرا في وجود الآخرين،
كما يتركون هم أثرهم فيه، لا تنشأ العلاقة من تبادل الكلمات وحدها، بل من ذلك
الاعتراف الصامت الذي يجعل كل إنسان يشعر أن حضوره أحدث فارقا في العالم، ولو بقدر
يسير.
أكثر اللحظات
رسوخا في الذاكرة ليست تلك التي وقع فيها حدث استثنائي، بل تلك التي شعر فيها الإنسان
بأنه كان حاضرا بكامل وجوده، جلسة امتدت حتى المساء دون تعجل للرحيل، أو طريق قطع
مع صديق من غير مقصد محدد، أو حديث لم يكن يسعى إلى إقناع أحد، بل إلى مشاركة
العالم كما هو، هذه اللحظات لا تقاس بما قيل فيها، بل بما بقي منها بعد أن انتهت.
لم يفقد
الإنسان -في هذا العالم- قدرته على الكلام بقدر ما فقد قدرته على الإصغاء، فالإصغاء
ليس مجرد مهارة في التواصل، بل طريقة للاعتراف بالآخر، أن نترك له متسعا ليحضر،
وحين يضعف الإصغاء، لا تختفي الكلمات، لكنها تفقد قدرتها على بناء الجسور، وحين تضعف
الجسور، لا يصبح الإنسان وحيدا بالضرورة، لكنه يغدو أقل مشاركة في العالم، فالوحدة
ليست غياب الناس، بل غياب العلاقة التي تجعل لحضورهم معنى.
لم يتبدل الزمن
وحده، بل الطريقة التي يشعر بها الإنسان بالزمن، فالعلاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل،
كما تحتاج البذرة إلى الفصول كي تصير شجرة، ومثلما يحتاج النهر إلى الرحلة كي يبلغ
البحر، كان الزمن شريكا في بناء الأشياء، يهبها فرصة أن تكشف عن معناها، كما يهب
الإنسان فرصة أن يصبح جزءا منها.
واليوم، يقاس
الزمن بما يختصره، لا بما يمنحه، غدت السرعة فضيلة، والانتظار نقصا، والتأخر خطأ
ينبغي الاعتذار عنه، ولم يعد الإنسان يطلب من الزمن أن ينضجه، بل أن يفسح له
الطريق إلى ما بعده، وهكذا تمضي الحياة بإيقاع لا يكاد يسمح للأشياء أن تترك أثرها
العميق، ولا للعلاقات أن تبلغ مداها الطبيعي.
يراودنا شعور
غامض بأن الأيام تمتلئ بالأحداث، لكنها تترك وراءها ذاكرة أقل، فالذاكرة لا تنمو
بكثرة ما نمر به، بل بعمق ما نعيشه، وهي تحتاج إلى تجربة، والتجربة تحتاج إلى زمن،
والزمن يحتاج إلى سكينة، غير أن السكينة أصبحت نادرة الوجود.
هذا هو التحول
الأكثر خفاء، فالعالم لا يتبدل حين تتغير الأشياء، بل حين تتغير الكيفية التي
تتجاور بها، والطريقة التي يتدفق بها الزمن بينها، فالبيت لا يصير بيتا يوم يبنى،
بل مع الأعوام التي يعيشها أهله بين جدرانه، والوجه لا يصبح مألوفا لأننا رأيناه
مرة، بل لأن الزمن أودع فيه شيئا من حياتنا، وأودع فينا شيئا من حياته، فما يجعل
العالم عالما ليس ما يحتويه، بل ما يربط بين عناصره من صلات هادئة، تنمو بعيدا عن
الضجيج، وحين تضعف هذه الصلات، لا ينهار العالم دفعة واحدة، ولا تتبدل ملامحه على
نحو مفاجئ، بل يظل عامرا بالأشياء، مزدحما بالطرق، غنيا بالصور، لكنه يصبح أقل
قدرة على جمعها في معنى.
لا تبدأ خسارة العالم
حين تختفي الأشجار، أو تهدم البيوت، أو تجف الأنهار، بل تبدأ يوم تكف الأشياء عن
الإشارة إلى بعضها، ويكف الإنسان عن أن يرى نفسه بينها، عندئذ يبقى كل شيء في
مكانه، إلا ذلك الخيط الخفي الذي كان يجعل الوجود بيتا لا مجرد مساحة، وعالما لا
مجرد مجموع من الأشياء،فالإنسان لم يفقد أشياءه في العالم، بل فقد العلاقات التي
كانت تصل بينها.

0 التعليقات:
إرسال تعليق