بحث في الموقع

https://3aleem1.blogspot.com.eg/

أخر الأخبار

Printfriendly

الخميس، 7 ديسمبر 2017

ثقافة التحايل ... جدل اجتماعي بين الدولة والمجتمع (2)

ومن هنا تبدو ثقافة التحايل وكأنها نوع من محاولة التكيف أو التعامل مع أوضاع مستحيلة، ترتبط بعملية التكيف مع الواقع غير العادل وغير المنصف، والشخص الساعى للتكيف تدفعه الظروف إلى سلوك التحايل أو التكيف ويعتمد على وجود بدائل مثل وجود معتقدات بديلة أو اللجوء إلى أنماط سلوكية بديلة، وهى تتراوح بين التكيف الإيجابى الذى يقوم على التقبل والرضا والاندماج والتوافق مع النظام بهدف الاستمرار فى البقاء وقد يتخذ خطوات عن طريق البحث عن حلول وسط توفيقية تحقق قدراً من التراضى وعندما يعجز عن إرضاء من يظلمه يلجأ إلى المداراة والمجاملة والتملق، وهناك التكيف السلبى المحبط الذى يقود صاحبه إلى عدد من الممارسات السلبية كالانتهاك الصريح للقانون وتهديد قيم المواطنة واختلال المعايير على الصعيدين الفردى والاجتماعى.
يمتلك المصريون إذن مخزونا وقدرة هائلة على التكيف مع الظروف قد اكتسبوها عبر تاريخهم الطويل فى التعامل مع أنماط متعددة من الحكام والحكومات، وتغير الظروف والأحوال التى يعيشون تحت وطأتها، ومن ثم يملكون مرونة كبيرة فى التعامل معها، وقدرة على قبول الأمر الواقع والتكيف معه، كما يملكون قدرا كبيرا من الصبر على ظروفهم الضاغطة والقاسية، ولديهم أمل فى رحيل من يظلمهم بشكل قدرى لا دخل لهم فيه، فدائما ما يراهنون على الزمن ليحل لهم المشكلات، أو تتحلل معه، فالمصرى كثيرا ما يقبل الأمر الواقع ويغير فى نفسه وفى شخصيته وفى ظروف معيشته لكى يوائم هذا الواقع، وبالتالى لا يفكر كثيرا أو جديا فى تغيير الواقع بل يميل غالبا للإستسلام له والتسليم، فلقد عرف عنه ميله للاستقرار وعدم الرغبة في إحداث تغييرات جذرية، وتخوفه من التجديد , وعدم ميله إلى المغامرة، وصبره على ظروف ربما تستحق المواجهة أو التغيير.
وقد يفضى التكيف ومن ثم"التحايل" إلى شيوع نسق من القيم السلبية مثل الإذعان، من خلال  الامتثال لأمور كثيرة فى إطار علاقة قوة غير متكافئة، والتبرير حيث يعلل الفرد فى نظره ونظر الآخرين رأياً أو تصرفاً أو عملاً ويرجع السبب فى ذلك إلى الهوه التى توجد بين السلوك والأفكار، واللامعيارية مما يؤدي إلى غياب أو انهيار أو وجود صراع فى معايير المجتمع، كما يشيع ممارسات انحرافية، حيث يساعد الفقير بالذات على اللجوء إلى أساليب التحايل والتكيف السلبى ما تبديه الثقافة من تجاوزات من فرض بعض القيم والتهاون فى مراقبة الالتزام بها وسواء تسامحت الثقافة أو تجاوزت تظل مجالات عديدة للعلاقات فى حياة الإنسان الفقير غير معلنة أو واضحة، وبالتالى يستطيع أن يخرق أو يتجاوز الكثير من الحدود.
وخطورة التحايل أن يلجأ البعض إلى الحيل والمبررات التى يتخذها كوسائل دفاعية للخروج عن القيم فيحاول انتهاكها عن طريق تغليفها بأسماء جديدة تواكب ظروف واقعه مثل مفاهيم "الشطارة والفهلوة" و"الرزق يحب الخفية" أو تشاع ألفاظ مثل "الكل كده" أوإلقاء المسئولية على الغير، وهو ما يردنا إلى حالة التسيب التى أصبحت سمة سائدة فى مجتمعنا المصرى. فالتحايل ثقافة تمارس بشكل عادى تتمثل فى التأثير على تراجع حجم المواطنة، حيث يزيد شعور الفقير بضعفه مع ازدياد ضغوط ومشكلات الحياة اليومية، وتكون نتيجة ذلك انكفاؤه على مشاكله الخاصة المحدودة إلى الحد الذى يقلل من اهتمامه بالمجتمع وقضاياه ومشاركاته فيما يحدث فيه.
وتشير البحوث الي أن نسبة الفقر منذ اوائل التسعينيات دفعت الأسر في المناطق الأكثر فقرا إلي تكثيف العمل العائلي وبالتالي زادت أعداد النساء الملتحقات بسوق العمل، واللائي لايجدن عادة سوى الأعمال قليلة العائد، مثل العمل أجيرات في الأراضي الزراعية، أو بائعات في الأسواق، أو يقمن بدور الوسيط بحيث يقمن ببيع المنتجات المنزلية للبيوت القادرة "دلالات"، وزادت أعداد النسوة العاملات بالتسول، كما تلعب أدوارا متعددة في هذه المجتمعات، إذ ينقطعن عن التعليم ويفسحن المجال أمام الذكور للتعليم، ويعملن في سن صغيرة لمساعدة اسرهن، كما يلجأن إلى ممارسة كثير من الحيل لتصريف أمور أسرهم من بينها خفض الإنفاق وتأجيل كل ما يمكن تأجيله، مثل الذهاب إلي الطبيب، أو تخفيض جرعات الدواء التي يصفها الطبيب، وضغط نفقات الأسرة قدر المستطاع، وتخفيض عدد الوجبات الغذائية التي تقدم وكمياتها، واللجوء الي ممارسات اقتصادية بديلة مثل تربية الطيور المنزلية والمواشي، لتدبير احتياجات اسرهن من الألبان، والاعتماد علي البروتين النباتي وشراء بقايا الخضراوات من السوق الأقل جودة والأرخص سعرا بالضرورة، والاكتفاء بصنف او صنفين، كما تتميز المرأة المصرية بقدرتها على الإبداع في إعادة تدوير الأشياء القديمة والاستفادة بها لأقصي مدى ممكن.

ومن هنا ففي داخل كل جماعة اجتماعية "مستديمة" تتجاور تجارب إنسانية متنوعة، وحيث تعي "المجموعة" بالمتناقضات التي تتصل على الأقل بنمط الحياة الذي يفصل بين الطبقات أو بين الأجيال مع كل الأخطاء الناتجة عن غياب/قصور الوعي، فإن المواجهة المباشرة هي خير طريق نحو زيادة الوعي (المغرض) و(الجزئي)، لإدراك الوضع الذي يشغله "الفرد" في العالم الاجتماعي الأكبر تتحدد وتتبلور نتيجة الأثر المباشر (المحسوس/الملموس) للتفاعلات الاجتماعية داخل العوالم الصغرى.
  • تعليقات المدونة
  • تعليقات الفيس بوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Item Reviewed: ثقافة التحايل ... جدل اجتماعي بين الدولة والمجتمع (2) Description: Rating: 5 Reviewed By: 3aleem
Scroll to Top