الحقيقة تحب أن تتخفى
بقلم أحمد عبدالعليم
دعونا نستجمع شجاعتنا، دعونا نتحلى
بالجرأة، هناك سبب في كون معظم الناس يسيرون خلال حياتهم بشكل أعمى، إنه لأمر مرعب
البحث عن بديل، فاختيارنا السعي وراء الحقيقة، والحرية بأي ثمن، ربما يقودنا إلى
قضاء حياة مؤلمة، ومنعزلة في الغالب، ولكن، ومع ذلك، فالمكافئة المنتظرة عظيمة في
قدره.
ثمة مفارقة خفية تحكم علاقتنا
بالحقيقة، مفارقة لا تنبع من جهلنا بها بقدر ما تنبع من الطريقة التي نتصورها بها،
فنحن لا نبحث عن الحقيقة بوصفها معطى جاهزا، بل بوصفها أفقا ننشئه (نحن) ونسير
نحوه، وهكذا يصبح كل تصور للحقيقة ليس إلا طريقة في ترتيب العالم، وإعادة توزيعه
داخل وعينا..
حين يعتقد
الإنسان أن الحقيقة تقيم في عالم آخر، مفارق لهذا العالم، فإنه لا يكتفي بالإيمان
بوجودها، بل يشرع – بوعي أو دون وعي – في بناء جسور بين العالمين، عندئذ يصبح
العالم المعيش مجرد ظل أو انعكاس، بينما تتخذ الحقيقة طابعا متعاليا يمنح المعنى
من خارج التجربة، هنا، لا يعود الواقع مكتفيا بذاته، بل يحتاج دوما إلى تأويل
يستمد شرعيته من ذلك "العالم المثالي"، ومن خلال هذا الربط، ينشأ نظام
كامل للمعنى، تتوزع فيه القيم والمعايير بين ما هو "هنا" وما هو مفارق.
أما من
يعتقد أنه يمتلك "جزءا" من الحقيقة، فإنه لا يقل طموحا عن صاحب الحقيقة
المطلقة، ذلك أن الجزء، حين يستقر في الوعي، يميل إلى التمدد، إلى أن يتحول إلى
كلٍّ متماسك، الإنسان لا يحتمل التشتت طويلا، فيسعى دائما إلى استكمال النقص، إلى
ملء الفراغات، إلى بناء صورة كلية للعالم حتى لو كانت هذه الكلية قائمة على شذرات،
وهكذا تتحول الجزئية إلى نظام، والرأي إلى رؤية، والانطباع إلى تفسير شامل.
وفي مقابل
هذين المسارين، يظهر اتجاه ثالث يبدو أكثر تواضعا، يرغب في التخلي عن التصورات
المجردة لصالح النتائج العملية المباشرة، هنا، لا تقاس الحقيقة بمدى مطابقتها
لواقع مفارق أو لاتساقها الداخلي، بل بقدرتها على العمل، على الإنتاج، على إحداث
أثر في العالم، الحقيقة، وفق هذا المنظور، ليست ما "يقول" بل ما "يفعل"،
ورغم هذا، لا ينجو هذا التصور العملي من النزوع إلى الكلية، إذ سرعان ما يتحول
النجاح العملي إلى معيار شامل للحكم على الأشياء.
في جميع هذه
الحالات، يظل الإنسان بحاجة إلى وجود تفسير للعالم يتسم بالتماسك والإحكام -إنها
حاجة وجودية بقدر ما هي معرفية- فالعالم، في صورته الخام، ليس سوى تدفق كثيف من
الظواهر، لا يمنح نفسه بسهولة للفهم، ومن ثم، يتدخل العقل ليعيد تنظيم هذا التدفق،
ليبني منظومة المعاني الخاصة به انطلاقًا من ثلاثية أولية -الله، العالم، الإنسان-
هذه الثلاثية ليست مجرد موضوعات للتفكير، بل هي الأطر التي داخلها يتشكل كل تفكير
ممكن.
غير أن هذه
العملية تكشف عن انقسام جوهري في بنية المعرفة ذاتها، فثمة أفكار لا يمكن أن ترى،
ولا أن تلمس، ولا أن تختبر بالحواس، مثل الحق، الخير، الجمال، الحب، والحرية، هذه
ليست أشياء في العالم، بل شروط لإدراك العالم، نحن لا نصادف "العدل" كما
نصادف حجرا، ولا نلمس "الحرية" كما نلمس الماء، إنها مفاهيم عقلية،
تتشكل داخل الوعي، وتستخدم لفهم الواقع لا بوصفها جزءا منه.
حين نميز
بين ما يدرك بالحواس وما يفهم بالعقل، فإننا لا نقيم مجرد تصنيف معرفي، بل نكشف عن
مستويين مختلفين من الحضور، فالأشياء التي تقع تحت الحواس تمنحنا إمكانية التحقق
والمراجعة والاتفاق، لأنها تنتمي إلى مجال مشترك يمكن اختباره، أما المفاهيم
المجردة –الحق، الخير، والجمال- فلا تحضر بالطريقة ذاتها، إنها لا تدرك بالحواس،
بل تُفهم، لا يمكن قياسها، بل يمكن تأويلها عبر مسارات فكرية، ولا تستطيع اختبارها
خارج الوعي، بل داخله، وهنا تبدأ الحقيقة في الانزلاق من كونها "شيئًا/كيان"
إلى كونها "علاقة".
حين يتحدث
إنسان عن العدالة، فهو لا يشير إلى موضوع قائم بذاته، بل يعبر عن تصور تشكل عبر خبراته،
وثقافته، وبنية إدراكه الخاص، ومن هنا يصبح الخلاف حول هذه المفاهيم حول "رؤىة"
للعالم، لا خلافًا حول "وقائع"، ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال بأن
المجال مفتوح بلا ضوابط، بل إن المعايير تنتقل من التحقق الحسي إلى الاتساق
الداخلي، والقدرة على التفسير، وقابلية الامتداد داخل التجربة الإنسانية.
بهذا المعنى،
لا تكون الحقيقة واحدة في كل مستوياتها، ولا تُدرك بالطريقة ذاتها في كل مجالاتها،
إن ما نطلبه من الحقيقة في العالم الفيزيائي ليس هو ما نطلبه منها في العالم
القيمي أو الوجودي، فهناك، حيث يمكن القياس، يكون الصدق مسألة مطابقة، وهنا، حيث
يسكن المعنى، يصبح الصدق مسألة تأويل.
لقد اعتدنا
أن نتعامل مع الحقيقة كما لو كانت شيئا يمكن امتلاكه، فكرة صحيحة في مقابل فكرة خاطئة،
حكم صادق في مقابل حكم كاذب، غير أن هذا التصور ينهار جزئيا حين ننتقل من عالم
الأشياء إلى عالم المعاني، ففي حين يمكن التحقق من وجود الماء أو قياس كتلة جسم
ما، أشياء يمكن التحقق منها، إخضاعها للتجربة، الاتفاق حولها أو الاختلاف بشأنها
بناء على معايير مشتركة: الحصان، الماء، الأرض، النار، الذرة، هذه تنتمي إلى عالم
يمكن للحواس -وامتداتها التقنية- أن تتعامل معه، أن تفحصه وتعيد فحصه، لذلك،
يمكننا أن نصدق أو نكذب من يتحدث عنها، لأن هناك مرجعية يمكن الرجوع إليها.
أما في المجال
الأول، فالأمر مختلف تمامًا، حين يتحدث شخص عن العدالة أو الحب أو الحرية، فإنه لا
يصف شيئا قائما خارج ذاته، بل يعبر عن تجربة، عن تصور، عن بناء داخلي، هنا، لا
يعود الصدق والكذب معيارين حاسمين، لأننا لا نقف أمام "واقعة" يمكن
التحقق منها، بل أمام "رؤية" تتشكل داخل أفق ذاتي، وهذا لا يعني أن كل
الآراء متساوية، بل يعني أن الحكم عليها يتطلب معايير مختلفة: الاتساق، العمق،
القدرة على الإقناع، وربما الأثر الذي تتركه في الحياة، فلا يمكننا أن نخضع مفاهيم
مثل العدالة، أو الحرية، أو الحب للاختبار ذاته، هنا، لا تعود الحقيقة مطابقة
بسيطة بين الفكر والواقع، بل تصبح علاقة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها التجربة الذاتية
مع البنية الثقافية والتاريخية.
والبحث في
مفهوم الحقيقة يقتضي الاعتراف بهذا التعدد في مستوياتها، فهناك حقائق تجريبية،
قابلة للفحص والقياس، تستند إلى الحواس وأدواتها، وثمة في المقابل، حقائق تأويلية،
لا تدرك إلا عبر الفهم، ولا تختبر إلا داخل أفق المعنى، والخلط بين هذين المستويين
هو ما يدفعنا أحيانا إلى طلب يقين مطلق في مجالات لا تقبل إلا الترجيح، أو إلى
الشك في مجالات يفترض فيها قدر من الاتفاق.
والأهم من
هذا التمييز هو إدراك أن الحقيقة ليست خارج الإنسان تماما، ولا داخله بالكامل،
إنها تنشأ في العلاقة بينهما، نحن لا نخترع العالم من العدم، لكننا أيضا لا
نستقبله كما هو دون وساطة، فاللغة، والثقافة، والتاريخ، والتجربة الشخصية، كلها
عوامل تسهم في تشكيل ما نعتبره "حقيقيًا"، ومن ثم، فإن الحقيقة ليست
مرآة تعكس الواقع، بل هي أشبه بعدسة تعيد تشكيله.
بهذا
المعنى، لا يعود السؤال" هل نمتلك الحقيقة؟!" سؤالا دقيقا، بل يصبح
السؤال الأجدر أن نسأل: كيف نبني تصوراتنا عن الحقيقة، وما الشروط التي تجعل هذه
التصورات أكثر اتساقا، وأكثر قدرة على تفسير العالم، وأكثر انفتاحا على المراجعة؟!
فالحقيقة التي لا تقبل المراجعة تتحول إلى يقين مغلق، واليَقين المغلق سرعان ما
يفقد صلته بالحياة.
إن البحث في
معنى الحقيقة لا يعني إنكارها، بل –ربما- تحريرها من وهم الثبات المطلق، فالحقيقة
ليست نقطة وصول نهائية، بل مسار، إنها ليست جوابا جاهزا، بل عملية مستمرة من
التساؤل، والتصحيح، وإعادة البناء، وربما في هذا التوتر الدائم -بين ما نعرفه وما
نظن أننا نعرفه- تكمن قيمة الحقيقية ذاتها.
لا تعلن
الحقيقة عن نفسها بوصفها موضوعا منفصلا عن طرائق إدراكنا، بل تتخفى في الكيفية
التي نبني بها علاقتنا مع العالم، نحن نظن أننا نتجه نحوها، بينما نحن في الواقع
نعيد تشكيلها عبر أدواتنا: اللغة، التجربة، الذاكرة، والتوقع، ومن هنا، فإن السؤال
عن الحقيقة لا ينفصل عن السؤال عن شروط إنتاجها داخل الوعي الإنساني.
والأمر لا
يكمن في هذا التمييز ذاته، بل في أثره الخفي: نحن، حين نعجز عن رؤية المفاهيم
المجردة في هيئة أشياء، لا نتخلى عنها، بل نمنحها حضورًا من نوع آخر، نحملها
كإطارات نرى من خلالها العالم، لا بوصفها موضوعات نراها -فهي لا تتبدى أمامنا- بل
تعمل فينا، لا نتحقق منها كما نتحقق من الأشياء، بل نبني بها إمكان التحقق ذاته.
لم تعد الحقيقة
–إذن- مجرد ما يطابق الواقع، بل ما يجعل الواقع قابلًا للفهم، إنها ليست ما نصل
إليه فحسب، بل ما ننطلق منه، وليست نتيجة للمعرفة فحسب، بل شرط من شروطها، وفي هذا
التحول الصامت، تنتقل الحقيقة من كونها موضوعًا يمكن امتلاكه، إلى أفق يُقيم فيه
الإنسان، ويعيد عبره ترتيب العالم كل مرة.
لا يفقد
الإنسان حريته عندما يجبر على الطاعة فحسب، بل يفقدها أيضا عندما يقنعه أحدهم بأن
لا شيء يستحق النقاش في الأصل.
لقد أنتج عصرنا
الراهن شكلا جديدا من أشكال "اليقين"، فلم يعد اليقين "لاهوتيا"
كما في العصور القديمة، بل أصبح يقينا (تقنيا) يثق في قدرة العلم على حل كل
المشكلات الإنسانية، هذا اليقين نفسه تحول إلى نوع خفي من الإيمان غير المعلن،
إيمان بالتقدم اللامحدود، وبقدرة التقنية على إنقاذ الإنسان من كل أزماته، وهنا
تصبح التكنولوجيا، بصورة غير مباشرة، بديلا رمزيا عن المقدس.
في
الأزمنة القديمة، كان الإنسان يعرف جيدا من أين تأتي السلطة، كان الكاهن يقف في
المعبد بوصفه حارس الحقيقة، وكانت الأسطورة تفسر العالم وتحدد للناس ما ينبغي
عليهم فعله، وكان الحاكم يستمد شرعيته من السماء أو من الإرث المقدس أو من قوة
السيف، فقد كانت السلطة آنذاك واضحة المعالم، يمكن رؤيتها، وتسميتها، بل وحتى
التمرد عليها، أما الإنسان المعاصر، فقد دخل عالما أكثر تعقيدا، لأن السلطة لم تعد
ترتدي ثوبا دينيا، أو تقدم خطابا أسطوريا، بل أصبحت تتحدث بلغة الأرقام والإحصاءات
والتقارير والخبراء، هنا تبدأ الإشكالية: كيف يمكن للعلم، الذي جاء لتحرير
الإنسان، أن يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة؟!
لقد
شهد العصر الحديث صعودا هائلا للعلم والتكنولوجيا، حتى بدا أن البشرية قد وجدت
أخيرا الطريق الموضوعي للتعامل مع الطبيعة/العالم، فالمعامل تنتج الدواء، والهندسة
تعيد تشكيل المدن، والاقتصاد الرقمي يربط القارات، والخوارزميات باتت قادرة على
توقع السلوك الإنساني نفسه، ومع هذا النجاح المادي المذهل، بدأت مكانة العلم تتجاوز
حدود المعرفة لتتحول تدريجيا إلى مرجعية نهائية للحقيقة والقرار والشرعية، لم يعد
العلم مجرد وسيلة لفهم الطبيعة، بل أصبح نموذجاً لتنظيم المجتمع ذاته.
هنا
تتكشف أزمة الإنسان، فحين يتحول كل شيء إلى مسألة تقنية، يفقد الإنسان تدريجيا قدرته
على مساءلة الغايات الكبرى، لم تعد الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالعدل أو الحرية أو
معنى الحياة مطروحة بوصفها قضايا إنسانية مفتوحة للنقاش، بل جرى اختزالها إلى
مشكلات إدارية تحتاج إلى حلول "فعالة"، وأخطر ما في السلطة التقنية
الحديثة أنها لا تقدم نفسها بوصفها سلطة.
تعمل
السلطة التقنية بطريقة أكثر نعومة وخفاء، إنها تقنع الفرد بأن ما يحدث ليس خيارا
قابلا للنقاش، بل ضرورة علمية لا بديل عنها، فعندما تتخذ قرارات اقتصادية تمس حياة
ملايين البشر، كثيرا ما تعرض باعتبارها نتائج حتمية "لقوانين السوق"، لا
باعتبارها اختيارات اجتماعية قابلة للنقد والمراجعة، وعندما تفرض أنماط معينة من
التعليم أو الإدارة أو الاستهلاك، فإنها تبرر بلغة الكفاءة والإنتاجية والتحديث،
وكأن هذه المفاهيم محايدة تماما.
وربما
يصبح الحياد هنا موضع شك، عندما تتحول العقلانية العلمية من أداة لفهم العالم إلى
نموذج وحيد لفهم الإنسان نفسه، فالعقل الأداتي -الذي العقل الذي يقيس كل شيء
بمعيار المنفعة والكفاءة- قد ينجح بصورة مذهلة في تشغيل المصانع وإدارة المؤسسات،
لكنه يعجز عن الإجابة عن الأسئلة الوجودية والأخلاقية، إنه يعرف كيف ننجز الأشياء،
لكنه لا يستطيع أن يحدد لماذا ينبغي إنجازها أصلاً.
هنا،
يتولد نوع جديد من الاغتراب، فالإنسان المعاصر يعيش وسط عالم شديد التنظيم والدقة
التقنية، لكنه يشعر في الوقت نفسه بأنه أقل قدرة على التأثير في مصيره، كل شيء يدار
عبر أنظمة معقدة: الاقتصاد، الإعلام، التعليم، الصحة، وحتى العلاقات الاجتماعية
أصبحت تخضع لمنطق البيانات والخوارزميات، ومع توسع هذا النمط من العقلانية، يتقلص
المجال الذي يمكن أن ينشأ فيه الحوار الإنساني الحر، ذلك الحوار القائم على
التفاهم والمشاركة وصناعة المعنى المشترك.
و تكمن المفارقة في أن هذه الهيمنة لا
تبدو قمعية في ظاهرها، فالإنسان الحديث يحصل بالفعل على فوائد هائلة من التقدم
العلمي: حياة أطول، وتقنيات أسهل، ورفاهية أكبر، ووسائل اتصال غير مسبوقة، ولهذا
يصبح نقد السلطة التقنية أمرا بالغ الصعوبة، لأن هذه السلطة لا تعتمد على الوهم
الكامل، بل تستند إلى نجاحات واقعية وملموسة، إنها سلطة تخضع الإنسان لا عبر القمع
المباشر، بل عبر دمجه الكامل في منظومة من الراحة، والإدارة/التنظيم تجعله أقل
ميلا إلى التساؤل وأكثر استعداداً للامتثال.
ولا
يتمثل التحدي الفعلي هنا في إيقاف التقدم العلمي، بل في منع تحوله إلى أيديولوجيا
صامتة تحتكر تعريف الحقيقة والمصلحة العامة، فحينها، يفقد المجتمع قدرته على
النقاش الحر، ويسلم مصيره بالكامل للخبراء والأنظمة التقنية، فإنه لا يصبح أكثر
عقلانية بالضرورة، بل قد يصبح أكثر خضوعا لسلطة لا ترى.
فالقضية
الأساسية هنا ليست رفض العلم، بل الدفاع عن الإنسان من اختزال
وجوده إلى مجرد معادلة تقنية، فالمجتمع لا يمكن أن يدار فقط بمنطق الكفاءة، لأن الإنسان
ليس آلة إنتاج، ولا مجرد رقم في جدول إحصائي، ولا مجرد مستهلك
داخل سوق كبرى. هناك دائما مساحة لا تستطيع التقنية احتواءها: مساحة
الحوار، والقيم، والكرامة، والمعنى، والحرية، فالإنسان -مهما
اندمج في عالم التقنية- يظل كائنا يتجاوز الوظيفة والمنفعة، فعندما يواجه الموت،
أو الحب، أو الفقد، أو الوحدة، يكتشف أن حياته لا تُختزل في معادلات الكفاءة
والإنتاج، وهناك، في تلك اللحظات التي تتشقق فيها صلابة العالم التقني، يعود
السؤال القديم للظهور من جديد: ماذا يعني أنني موجود؟!

0 التعليقات:
إرسال تعليق