حين يفقد العالم ألفته
حمد عبدالعليم
لا يتحرك الفرد في حياته اليومية، بوصفه
عقلا متعاليا يراقب العالم من الخارج، ولكن ككائن مثقل دائما بما يعيشه، فالعامل
الذي يخرج كل صباح إلى عمل يكرهه ليس فقط شخصا يؤدي وظيفة اقتصادية، بل كائن تورط
في نمط من الوجود أصبح يبتلع زمنه الخاص، والمرأة التي تستمر في علاقة فقدت معناها
منذ زمن، لا تبقى بدافع الحب وحده، بل لأن الحياة نفسها تنسج حولها خيوطا يصعب
قطعها بسهولة، حتى الأب الذي يحمل هم أطفاله كل ليلة، أو الطالب الذي يشعر أن
مستقبله كله معلق على امتحان واحد وغيرها، وحتى اللحظات الخاصة تتشكل داخل هذا التورط،
الحب، الخوف، الطموح، والخذلان، ليست حالات نفسية منفصلة، بل طرائق وجود داخل
العالم، إنهم جميعا لا يعيشون "أفكارا" مجردة، بل يعيشون انغماسا وجوديا
كاملا داخل العالم، لذا، لا يواجه الإنسان العالم بوصفه موضوعا خارجيا، بل يسكنه
ويتشابك معه بصورة كاملة.
يواصل الإنسان يومه بشكل طبيعي بينما ينهار شيء ما داخله في صمت، يخرج إلى
العمل، يجيب على الرسائل، يضحك أحيانا، ويشارك الآخرين أحاديث عابرة، بينما يشعر
في أعماقه بأن أيامه تتسرب منه تدريجيا، ولا تكمن المأساة في أن يتألم المرء، بل
أن يعتاد ألمه، فالإنسان لا يعيش حياته بوصفها مشروعا واضح المعالم يسير نحوه بوعي
كامل، وإنما يجد نفسه وقد انغمس بالفعل داخل عالم يسبقه دائما، ويبدو الإنسان، كمن
يحاول النجاة داخل حياة لا تمنحه الوقت الكافي ليفهمها، إنه يولد داخل لغة لم
يخترها، وعلاقات لم يصنعها، وتاريخ لم يشارك في تشكيله، ثم يرغم على أن يبني معنى
لوجوده في هذا العالم.
وفي خضم هذا العالم التقني يتحول الوجود إلى مجرد موضوع للاستعمال يفقد
الإنسان علاقته الأصيلة بالوجود، ويتحول الفكر إلى مجرد أداة للحساب والإنتاج، لا
وسيلة للانكشاف والتأمل، فالعالم ليس مخزنا من الموارد، والإنسان ليس آلة عقلانية
للإنتاج والحساب.
يذوب داخل ضجيج العالم حتى يفقد
علاقته الأصيلة بنفسه، يستيقظ غالبا على صوت الهاتف، ويقضي يومه متنقلا بين
الأخبار، المهام والالتزامات، والرسائل، ثم ينام وهو يشعر بتعب غامض لا يعرف مصدره
الحقيقي، إنه يعيش باستمرار، لكنه نادرا ما يشعر بأنه "يحيا" فعلا، وهذا
ما يجعل لحظات التوقف النادرة تتشكل عبر لحظة حب صادق، أو حزن عميق، أو مواجهة مع
الموت، أو حتى قراءة رواية تمس الداخل الإنساني، إنها اللحظات الكاشفة التي تعيد
الإنسان إلى ذاته للحظات قصيرة.
المعرفة عبئا وجوديا
نعيش داخل عالم يبدو
مألوفا ومستقرا، لكن هذا الاستقرار في حقيقته هش، يمكن أن يتصدع فجأة، ففي لحظات
القلق أو الصمت أو التأمل، تنكشف لنا غرابة الوجود نفسه، عندما يدرك الإنسان أن العالم
الذي اعتاد عليه ليس بديهيا كما ظن، وأن المعاني التي تحيط بحياته ليست نهائية أو
مطلقة.
هنا لا يعود الإنسان
مجرد فرد يؤدي أدواره الاجتماعية اليومية، بل يصبح كائنا يواجه سؤال الوجود في
عريه الأول، ومن ثم، لا يفكر الإنسان لأنه يمتلك عقلا فحسب، بل لأن وجوده نفسه
مأزوم ومفتوح على الاحتمالات، فالفكر هنا ليس نشاطا ذهنيًا منفصلا عن الحياة،
وإنما استجابة وجودية لقلق يسكن الإنسان منذ لحظة وعيه بنفسه، وهكذا، تتحول المعرفة من مصدر للطمأنينة، إلى عبء ثقيل،
لأنها تجرد الإنسان من أوهامه اليومية وتضعه أمام هشاشته الحقيقية.
في كتابه "الوجود
والزمان" لا يبدأ "هيدجر" من العالم الخارجي، ولا من الإنسان/العقل
بوصفه جوهرا مفكرا، بل يبدأ من الإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي يسأل عن وجوده، هو
ليس ذاتا مغلقة تنظر إلى العالم من الخارج، بل وجود منغمس داخل العالم منذ
البداية، يعيش بين الأشياء، والناس، واللغة، والزمن، ومع القلق، فلم يكن سؤال
الوجود عند "هيدجر" سؤالا مجردا، كما أنه لم يكن محاولة لإنتاج نسق
ميتافيزيقي جديد، بل محاولة للعودة إلى أكثر الأسئلة بداهة وغموضا في الوقت نفسه:
ماذا يعني أن يوجد الإنسان؟!
يستطيع الإنسان أن
يعيش طويلا داخل شبكة من العادات والوظائف والأدوار الاجتماعية دون أن يواجه ذاته
مواجهة حقيقية، يمكنه أن يعمل، ويستهلك، ويتحدث، ويكرر ما يقوله الجميع، دون أن
يسأل لماذا يعيش، أو ما الذي يجعل حياته ذات معنى، وهو ما يسميه هايدجر
"السقوط في اليومي"، أي ذوبان الفرد داخل الجماعة، حتى تصبح أفكاره
ورغباته واهتماماته مجرد صدى لما يفرضه "الآخرون" أو "العوام".
لكن، لا تستمر هذه
الحالة دائما في سلام، ففي لحظات معينة ينكشف الإنسان أمام نفسه بطريقة عنيفة:
لحظة فقد، أو عزلة، أو مواجهة مع الموت، أو حتى شعور مفاجئ بعبث الروتين اليومي،
هنا يظهر القلق الوجودي لا بوصفه خوفا من شيء محدد، بل كإحساس عار بانكشاف الوجود
نفسه.
نحن نخاف المرض، أو
الفشل، أو الفقر، ونقلق حيال هذه الأمور، أما قلق هايدجر فلا يتعلق بشيء محدد، بل
بالعالم كله حين يفقد ألفته المعتادة، عندما تبدو الأشياء اليومية فارغة، وتنهار
المعاني الجاهزة، ويجد الإنسان نفسه معلقا أمام سؤال وجوده الخاص.
هذا القلق ليس مرضا
نفسيا، بل لحظة كشف فلسفي عميقة، لحظة يدرك فيها الإنسان أنه كائن محدود، وأن
وجوده ليس ثابتا أو مضمونا، وأن عليه أن يختار نفسه بنفسه، وهنا لا يبدو القلق بوصفه
حالة سلبية يجب التخلص منها بأي ثمن، بل طريق ينزع الإنسان من زيف الحياة اليومية
ويدفعه نحو الوعي بحريته، فكل معرفة تحمل داخلها قدرا من الانفصال عن الطمأنينة
الجماعية، فالإنسان الذي يبدأ في التفكير العميق لا يعود قادرًا على الاندماج
الكامل في يقينيات المجتمع السهلة، إنه يكتشف أن العالم أكثر هشاشة وغموضًا مما
تبدو عليه الحياة اليومية، وأن اللغة نفسها قد تخفي الوجود بدل أن تكشفه.
إنها المعرفة التي تمنحه
شيئا أكثر قسوة من المعتاد، تجعله يرى نفسه والعالم دون أقنعة، والقلق الذي يصاحب
هذه المعرفة ليس عرضا جانبيا للفكر، بل جزء من الحقيقة الوجودية نفسها، فكلما
ازداد الإنسان وعيا بوجوده، ازداد إدراكه لهشاشته وزمنيته وفنائه، لكنه يقترب في
الوقت ذاته من حياة أكثر أصالة وصدقً، وهو ما يجعل الفرد يرفض الهروب من العالم أو
رفض المعرفة، بل إلى شكل آخر من التفكير، يجعله أكثر إنصاتًا للوجود، وأكثر وعيا
بمحدوديته، فالحكمة ليست في امتلاك إجابات نهائية، بل في القدرة على الإقامة داخل
السؤال ذاته دون وهم اليقين المطلق.
إنه القلق الوجودي!!
لا يبدأ القلق من حادثة استثنائية بالضرورة،
ولا من كارثة تهدد الإنسان/الفرد بشكل مباشر، بل قد ينبثق في أكثر اللحظات رتابة،
ربما أثناء السير في شارع مألوف، أو الجلوس وحيدًا في غرفة اعتدت تفاصيلها لسنوات،
أو حتى في لحظة صمت عابرة وسط ضجيج الحياة اليومية، فجأة يحدث شيء يصعب وصفه بدقة:
العالم لا يختفي، لكنه يتراجع؛ الأشياء تبقى في أماكنها، لكنها تفقد قربها
المعتاد، وكأن طبقة خفية كانت تمنحها معناها قد انسحبت بصورة مفاجئة.
في هذه اللحظة لا يشعر الإنسان
بالخوف من شيء محدد، فلا يوجد خطر واضح يهدده، ولا عدو يطارده، ولا كارثة ملموسة
يمكن الإشارة إليها، ومع ذلك يتسلل إليه إحساس ثقيل بالغربة، إحساس بأن العلاقة
القديمة بينه وبين العالم قد تصدعت بطريقة غامضة.
ليس الخوف، فالخوف يرتبط دائما بشيء
بعينه، نحن نخاف المرض، أو الفقد، أو الفشل، أو الموت، هناك دائمًا موضوع ما واضح
للخوف، ويمكن للإنسان أن يحدد مصدر التهديد بدقة، أما القلق الوجودي فليس له موضوع
مباشر، لأنه لا يتعلق بشيء داخل العالم، بل بالعالم نفسه حين يفقد بداهته وألفته،
ولهذا يبدو القلق أكثر عمقًا وغموضًا؛ إنه ليس اضطرابًا نفسيًا طارئًا، بل انكشاف
وجودي يهز الإنسان من الداخل.
يعيش الإنسان في الحياة اليومية
داخل شبكة كثيفة من العادات والمعاني الجاهزة، يستيقظ، يعمل، يتحدث، يكرر ما يقوله
الجميع، وينشغل بتفاصيل صغيرة تمنحه شعورًا ضمنيًا بالاستقرار، هذه الحياة اليومية
ليست زائفة بالكامل، لكنها تجعل الإنسان يذوب تدريجيًا داخل الجماعة، حتى تصبح
أفكاره ورغباته وأحكامه انعكاسًا لما يفرضه "الآخرون" أو "العامة"،
فالإنسان لم يعد يعيش ذاته حقًا، بل يعيش كما "ينبغي" أن يعيش وفقًا لما
يحدده المجتمع والعرف والروتين.
يأتي القلق ليكسر هذا الاندماج
المريح، لا ليدمر العالم، بل يكشف هشاشته، فجأة تبدو الأعمال اليومية بلا ضرورة
حقيقية، وتفقد الأشياء قدرتها على منح الطمأنينة، ويتراجع الآخرون إلى مسافة
بعيدة، ليجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام وجوده الخاص، هنا تظهر الوحشة الوجودية التي
يصفها "هيدجر" بـ"اللا-ألفة" ، أي ذلك
الشعور العميق بأن الإنسان لم يعد "في بيته" داخل العالم الذي اعتقد
طويلًا أنه يعرفه.
لا يجب أن ننظر للقلق بوصفه حالة
مرضية ينبغي الهروب منها بأي ثمن، إنه لحظة كشف نادرة، ففي قلب هذا التفكك المؤقت
ينكشف للإنسان أمر جوهري، أنه كائن غير مكتمل، مفتوح على الاحتمالات، وأن وجوده لا
يمتلك أساسا ثابتا ونهائيا كما كان يتوهم، فالقلق يحرر الإنسان، ولو بصورة مؤلمة،
من أوهام اليقين التي صنعتها الحياة اليومية، ويكتشف الفرد حين يواجه هذا الفراغ
الوجودي أن حياته ليست معطاة له بصورة جاهزة، وأن عليه أن يختار نفسه بنفسه،
وهنا، تتداخل تجربة القلق مع الحرية،
فالحرية ليست شعورًا مريحًا أو قدرة مطلقة على الفعل، بل عبء وجودي ثقيل، لأن
الإنسان يدرك فجأة أنه مسؤول عن تشكيل معنى حياته في عالم لا يقدم له يقينًا
نهائيًا، فالإنسان لا يصل إلى ذاته عبر الراحة الكاملة أو الانسجام المطلق مع
العالم، بل عبر تلك اللحظات التي يتصدع فيها المعنى المعتاد للأشياء، يكتشف هشاشته
وحريته معًا، فالقلق لا يمنح الطمأنينة، لكنه يمنح الصدق، لأنه يجبر الإنسان على
مواجهة السؤال الذي تحاول الحياة اليومية تأجيله باستمرار: ماذا يعني أني موجود؟!
في العالم المعاصر لا تصرخ الشخصيات
كثيرا، لكنها تبدو كأنها تحمل ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الانهيار أو يليه، إنهم
يعيشون بالقرب من الآخرين، لكنهم يبدون معزولين بطريقة خفية، وكأن كل واحد منهم
محاصر داخل عالمه الداخلي الخاص، وهذه العزلة ليست عزلة مكانية فقط، بل عزلة
وجودية؛ لأن الإنسان مهما اقترب من الآخرين يظل مضطراً إلى مواجهة حياته وحده، ولهذا
يبدو الانتظار حاضراً بقوة، لا بوصفه انتظاراً لحدث محدد، بل بوصفه حالة وجودية
كاملة، الشخصيات تنتظر شيئا لا تعرف اسمه بدقة، ربما فرصة أخرى، حبا أقل قسوة،
معنى ما، أو ربما مجرد شعور أخف وطأة بالحياة.
ولكن، وسط هذا الثقل الوجودي يظهر
الجمال، لا باعتباره خلاصا، بل مجرد ومضة قصيرة تجعل الاستمرار ممكنا، ربما يتكشف
الجمال في نظرة عابرة، أو عبر لحظة دفء إنساني، أو اعترافا صادقا، أو حتى في قدرة
الإنسان على الاحتمال رغم إدراكه لعدم يقينه، إنه هذا الجمال الذي يولد من هشاشة
الإنسان لا من اكتماله.
لا ينجو الإنسان من الحياة بالابتعاد
عنها، بل عبر الإنصات إليها، ومواجهة هشاشته بديلا عن الهروب منها، فالمعنى لا يمنح
جاهزا، بل يتخلق داخل التجربة نفسها، وربما لهذا يبقى الإنسان -برغم كل شيء- قادرا
على الاستمرار، لأنه -حتى في أكثر لحظات الظلمة- يظل يبحث عن ذلك الضوء البعيد الذي
يجعله يتحمل عبء الوجود يوما إضافيا، فالإنسان لا يعيش باحثا عن إجابة نهائية، بل يبحث
عن إمكانية للاستمرار داخل هذا الغموض، وقد يكون ما ينتظرنا ليس حدثا نصل إليه ذات
يوم، إنه الأمل، هذه القدرة الإنسانية غير المبررة على أن نجد في قلب الإنهاك سببا
آخر لكي نواصل العيش.
لا يبلغ الإنسان الطمأنينة الكاملة،
بل فقط يدرك هشاشته وفناءه، فالموت ليس نهاية بيولوجية فقط، بل الحقيقة التي تجعل
كل لحظة قابلة للفقد، ولهذا تصبح الحياة أكثر كثافة حين ندرك محدوديتها، وربما
لهذا يبقى الإنسان متشبثا بأشياء صغيرة؛ لأنه حين يشعر بقرب العدم يدرك قيمة
التفاصيل التي كان يتجاوزها من قبل.
وهنا، لا يبدو الفرد بطلا يواجه
العالم، ولا ذاتا متماسكة تمتلك يقينها الداخلي كما في التصور الكلاسيكي، بل يظهر
ككائن متورط في الحياة، ملقى داخل شبكة كثيفة من العلاقات والذكريات والخسارات
والانتظارات التي لم يخترها بالكامل، لكنه يجد نفسه مجبرا على العيش داخلها.
ولا يبدو التورط في الحياة هنا بوصفه
خطأ أخلاقيا تراجيديا، أو ضعفا شخصيا، بل طبيعة الوجود نفسه، فالإنسان لا يستطيع
الوقوف خارج حياته لكي يفهمها بهدوء، لأنه جزء منها على الدوام، إنه يشبه شخصا
يحاول رسم البحر وهو غارق فيه، ولهذا فإن وعينا يأتي دائما متأخرا قليلا، نفهم كثيرا من الأشياء بعد أن نعبرها، وندرك
معنى بعض العلاقات بعد خسارتها، ونكتشف أنفسنا أحياناً بعد أن نبتعد كثيراً عما
كنا نظنه ذواتنا الحقيقية.

0 التعليقات:
إرسال تعليق