وهم الحقيقة المطلقةمن سلطة العادة إلى عنف اليقين
بقلم: أحمد عبدالعليم
في حادثة جرت إبان الاكتشافات الجغرافية الحديثة
للأمريكتين، وتروى على سبيل التندر، طلب من أحد قادة السفن الحربية أن يقدم تقريرا
حول آداب وعادات وتقاليد سكان إحدى جزر المحيط الأطلنطي، وعندما عاد
قدم تقريره وكان على النحو التالي: "إن سكان هذه الجزيرة ليس لهم آداب، أما
عن عاداتهم وتقاليدهم فشنيعة ومتوحشة".
ولا يصعب على المرء أن يكتشف أن قائد السفينة عندما قدم
تقريره هذا، إنما كان يتحدث عن آداب وعادات أهل الجزيرة مقارنة بما يراه صائبا، أو
"ما ينبغي أن يكون" من وجهة نظر ثقافته الخاصة، ووفقا لعاداته وآدابه
التي أدخلها في مقارنة "حمقاء" مع عادات وتقاليد وآداب سكان تلك الجزيرة،
وربما لو كان على ظهر تلك السفينة عالم أنثروبولوجيا، لرصد عاداتهم وتقاليدهم في
إطار المنظومة القيمية والثقافية الداخلية للمجتمع، دون أن يضعها موضع التساؤل حول
ما يرضيه وما لا يرضيه، أو ما يعجبه وما لا يعجبه منها.
فعاداتنا وتقاليدنا تنشأ في إطار منظومة اجتماعية
واقتصادية تشكلت وتأصلت في زمن يعبر عن لحظة تاريخية ما في صيرورة المجتمع، وفي
مكان له سماته البيئية والجغرافية والأركيولوجية، وكلاهما يضفي على المجتمع خصائصه
وسماته، فالجدل الذي يحدث بين الإنسان وعناصر الطبيعة المحيطة به، والتي تؤثر في
التفاعلات الإنسانية وتتأثر بها، يشكل عادات المجتمع وتقاليده وآدابه، في إطار
رؤية الإنسان وعلاقته مع العالم ومع الإله.
وفي حقيقة الأمر، إنني أوردت هذه الرواية لمناقشة منطق
"قائد السفينة" وليس لمناقشة موضوع تقريره المنحاز، إذ تعبر سلوكيات
"قائد السفينة" ومواقفه وطريقة تفكيره عن كثير من أفراد مجتمعنا، فنحن -مع
الوقت- نكتسب "عادات تفكير" تتكون ضمن عاداتنا اليومية المألوفة،
فحياتنا اليومية توجهها إلى حد كبير أنماط سلوكية تأصلت داخلنا على مر الأيام
والسنين، بوصفها عاداتنا الأصيلة، وبوصفها تعبر عن "طبائع الأشياء".
على سبيل المثال، نستيقظ كل صباح ونفعل ما اعتدنا على
فعله، ثم نذهب إلى العمل بنفس الطريقة المعتادة يوميا.. إلخ إن هذه العادات
اليومية تجعلنا في واقع الأمر نقتصد فيما نبذله من جهد لإنجاز واجباتنا، ومن ثم لا
نقوم باكتشاف طرق جديدة للذهاب إلى العمل أو فعل ما يتوجب علينا فعله، وهذا ما
ينطبق تماما على طرق تفكيرنا وتكوين آرائنا، فعندما نستمع إلى الأخبار أو نقرأها
في جريدة ما، نكون في أغلب الأحيان منحازين لموقف مسبق في هذه القضية أو تلك،
حازمين في اختياراتنا، ومحددين لمواقفنا، ومن ثم لا نجهد أنفسنا في تكوين آراء
جديدة، فعادات التفكير تجنبنا ضرورة اتخاذ قرارات جديدة في موضوعات تبدو بالنسبة
لنا قديمة، وفائدتنا الوحيدة من وراء هذا هي الاقتصاد في الجهد الفكري المبذول.
وربما يبدو هذا مألوفا واعتياديا ومفيدا للوهلة الأولى،
وقد يوافق عليه البعض بوصفه أمرا مفروغا منه، بل ويستحسن ما قام به "قائد
السفينة"، حيث ربط ما هو معلوم لديه بما هو مجهول، ليصل إلى حكم ما، فنحن
جميعا نفعل هذا بشكل يومي، إذ نحكم مطمئنين على الآخرين، ونضعهم في قوالب وأنماط
نتخذ منها موقفا، ثم نغلق القضية ونحن فرحون واثقون، ولا نرضى لأحد أن يشكك في
مواقفنا واختياراتنا، وعندما نستمع إلى المخالف، نستحضر أنماطنا و"عادات
تفكيرنا"، وبالتالي مواقفنا، قبل أن ينتهي من حديثه، وإذا اضطررنا للاستماع
ننشغل بأشياء أخرى أو نشرد بأفكارنا، فنحن نعرف ما قال وما سيقول، وموقفنا محدد
سلفا، ومبادؤنا لا تتغير.
وهنا، تأتي اللحظة الفارقة، عندما أكون أنا هذا الشخص
الذي يعرض رأيه، ومن ثم أعامل تلقائيا بالمثل، فإذا كان لدي عادات تفكير راسخة،
فالآخر يمتلك عادات التفكير خاصته، وربما تكون أكثر رسوخا، ويقع مثلي في أخطاء
تبدو له طبيعية، فلديه أحكامه المسبقة، ويمتلك قوالب يضعني في إحداها، ويقع في
الفخ نفسه من نفاذ الصبر عندما أتحدث، فلا يعيرني انتباها، ولا ينصت لما أقول،
ويمتلك أيضا مبررات تبدو قوية بالنسبة له تجاه أفكاري وآرائي، ومن ثم فموقفه محدد
سلفا ولا يمكن له أن يغير مبادئه.
سلطة المعنى: حين
يتوقف المعنى عن أن يكون سؤالا
لا تبدأ سلطة المعنى من العنف، ولا من الإكراه الصريح،
بل من لحظة أكثر هدوءا، لحظة يتوقف فيها المعنى عن أن يكون مجالا للسؤال، ويبدأ في
العمل بوصفه إجابة مكتملة، في هذه اللحظة بالذات، لا يعود الفهم حركة داخل النص أو
الواقع، بل يتحول إلى معيار، يقاس عليه كل فهم آخر، ومن هنا، لا يكون المعنى مجرد
نتيجة للتفكير، بل يصبح قوة تنظم التفكير نفسه.
وهكذا، لا يصبح المعنى سلطة لأنه قوي فقط، بل لأنه ينسى
كونه نتيجة، وعندما ينسى هذا الأصل، يتحول من أفق للفهم إلى إطار للإلزام، لكن
استعادة هذا الأصل لا تعني هدم المعنى، بل تحريره من ادعاء الاكتمال، فالمعنى الذي
يعرف حدوده يظل مفتوحا، بينما المعنى الذي ينسى حدوده يتحول -دون أن يشعر- إلى
سلطة.
لا يظهر المعنى كشيء جاهز، بل كحدث يتشكل داخل علاقة بين
نص وقارئ وسياق، أي أن المعنى ليس كيانا ثابتا بل نتيجة تفاعل، لكن هذا الحدث، حين
يعاد تكراره وتثبيته، يفقد طابعه الحدثي تدريجيا، ويعاد تقديمه بوصفه "المعنى
الحقيقي" لا بوصفه "فهما ممكنا"، ويشكل التفسير في أصله، محاولة
للاقتراب من المعنى، لكنه لا يبقى كذلك دائما، فمع الزمن، يمكن أن يتحول تفسير
معين إلى مرجع يستند إليه في الحكم على صحة أو خطأ التفسيرات الأخرى.
في هذه النقطة، لا يعود التفسير مجرد قراءة، بل يصبح
"ميزانا للقراءة" وهذا التحول يبدو بسيطا، لكنه يحمل أثرا ذي دلالة،
فبدل أن يكون النص هو مركز الحركة، يصبح التفسير هو المركز، ولكي تكتمل سلطة
المعنى، يجب أن يحدث شيء آخر، وهو أن ينسى السياق الذي نشأ فيه هذا الفهم، فكل
معنى هو في الأصل ابن لحظة تاريخية، لكن حين ينفصل عن هذه اللحظة، يقدم وكأنه معنى
مستقل عن الزمن، وكأنه لم يكن يوما احتمالا بين احتمالات أخرى، وبهذا النسيان،
يتحول ما هو تاريخي إلى ما يبدو طبيعيا، وما هو بشري إلى ما يبدو ضروريا.
من الفهم إلى الإلزام
حين يقدم معنى ما بوصفه "المعنى الوحيد"،
يتحول الفهم من مجال مفتوح إلى إطار ملزم، ولا تعود الإشكالية تتعلق بكيفية نفهم،
بل بما يجب علينا أن نفهم، وحينها لا يعود الفهم ممارسة معرفية، بل معيارا للانتماء
داخل المجال المعرفي نفسه، وهكذا، لا يقصى الاختلاف دائما بالعنف، بل يقصى أحيانا
بوصفه "خروجا عن المعنى".
وما يجعل سلطة المعنى فعالة ليس إعلانها عن نفسها، بل على
العكس، يكمن في قدرتها على أن تبدو طبيعية، فحين يصبح معنى ما بديهيا، لا ينظر
إليه بوصفه اختيارا تأويليا، بل بوصفه الواقع نفسه، وعند هذه النقطة، لا تحتاج
السلطة إلى فرض نفسها، لأنها تكون قد تخفت في نسيج ما يعتبر "واضحا وبديهيا"،
وهذا هو أخطر أشكال السلطة، هذه التي لا ترى، لأنها تفهم على أنها بداهة.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل يمكن لنا أن نحيا
سويا في ظل وضع كهذا؟ هل يمكن لـ"قائد السفينة" أن يحل معضلة التعايش هذه؟ في واقع الأمر، إن
الإجابة مخيفة؛ إذ لا سبيل لحلحلة هذا الوضع طالما استمر كل منا في رؤية آرائه
حقيقة مكتملة، إلا عبر ممارسة نوع من العنف تجاه بعضنا البعض لفرض رأيه
"الحق" على آراء الآخرين "الباطلة"، في معركة تبدو لكل طرف
فيها وكأنها "معركة مقدسة"
إمكان التحرر
لا يعني نقد سلطة المعنى نفي المعنى ولا تفكيك كل
إمكانية للفهم، بل يعني إعادة وضعه في مكانه الأصلي، بوصفه حدثا إنسانيا تاريخيا،
لا حقيقة مغلقة، فكل معنى، مهما بدا مستقرا، يحمل في داخله أثر نشأته: أثر السؤال،
والسياق، والاختيار، وإعادة تذكر هذا الأثر يشكل الخطوة الأولى نحو استعادة
المسافة بين المعنى بوصفه فهما، والمعنى بوصفه سلطة.
يبدو السؤال عن الحقيقة من أكثر الأسئلة بداهة في تاريخ
الفكر: ما الحقيقة؟ وكيف نصل إليها؟ غير أن هذه البداهة تخفي افتراضا أعمق مما
يبدو للوهلة الأولى، وهو أن الحقيقة شيء قائم في ذاته، يمكن للإنسان أن يعثر عليه
ثم يمتلكه، كما تمتلك الأشياء بعد اكتشافها، لكن هذه الصورة، رغم شيوعها، ليست
بريئة فلسفيا، فهي تفترض –ضمنا- أن العلاقة بين الإنسان والحقيقة هي علاقة خارجية،
يمكن فيها للوعي أن يقف خارج العالم، ليطابق ما يراه مع حقيقة مكتملة سلفا،
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن فعلا للوعي الإنساني -باعتباره وعيا تاريخيا
محدودا- أن يدخل في علاقة امتلاك مع ما يفترض أنه مطلق؟
لا يبدأ التفكير الفلسفي من ذات محايدة تقف خارج
التاريخ، بل من كائن منغمس في شروط وجوده: اللغة، والثقافة، والتجربة، والبنية
الاجتماعية، فالإنسان لا يتلقى العالم من موقع خارجي، بل يعيش داخله، ويعيد تشكيله
من خلال أدوات إدراكه، وهذا يعني أن كل معرفة هي معرفة مشروطة، لا بمعنى أنها
زائفة، بل بمعنى أنها لا تنفصل عن الأفق الذي تشكلت داخله، فالفهم ليس عملية
انعكاس مباشر، بل فعل تأويلي يقع داخل التاريخ.
إن تصور الحقيقة بوصفها شيئا يمكن امتلاكه نهائيا يؤدي
إلى نتيجة معرفية خطيرة، وهي تحويل المعرفة إلى حالة من الاكتمال، بحيث يصبح
التاريخ اللاحق مجرد تكرار لما تم الوصول إليه، ولكن هذا التصور يتجاهل أن المعرفة
ليست بنية مغلقة، بل حركة مفتوحة، فكل إجابة تظهر داخل سياق معين، ثم تعود لتطرح
من جديد داخل سياق مختلف، بأسئلة جديدة وأدوات مختلفة، وهكذا، لا تتقدم المعرفة
بوصفها وصولا إلى نهاية، بل بوصفها إعادة تشكيل مستمرة للعلاقة بين الإنسان
والعالم، بينما في نموذج الامتلاك، تفهم الحقيقة بوصفها غاية نهائية، يمكن الوصول
إليها واستنفادها، فتكون الحقيقة هنا نهاية المعرفة، وامتلاكا مكتملا، أما في
نموذج "الاقتراب"، فالحقيقة تفهم بوصفها أفقا يقصد دون أن يستنفد، فتصبح
الحقيقة أفقا جديدا للمعرفة، وحركة مستمرة، هذا التحول لا يلغي الحقيقة ولا يحولها
إلى وهم، بل يعيد تعريف العلاقة بها، من علاقة سيطرة، إلى علاقة سعي.
إن محدودية الإنسان ليست عائقا عرضيا أمام المعرفة، بل
شرط بنيوي لها، فلو كان الإنسان كائنا مكتملا معرفيا لما كان هناك تاريخ للفهم،
ولا تطور للأسئلة، ولا تجدد في المعنى، فالنقص هنا ليس خللا بل إمكانية، إذ لا
تقوم المعرفة إلا داخل كائن غير مكتمل، يتجه دائما نحو ما يتجاوزه.

0 التعليقات:
إرسال تعليق