بحث في الموقع

https://3aleem1.blogspot.com.eg/

أخر الأخبار

Printfriendly

الأربعاء، 21 فبراير 2018

أحمد عبدالعليم يكتب: الهامش والمتن ...حرب الكل ضد الكل

يبدو أن التعامل مع استراتيجية "جاك دريدا" لم يعد ترفا، فمقولاته حاضرة بطزاجة ملفتة للنظر، وحضوره مغاير هذه المرة، فعلى الرغم من كثافته فإنه لم يتم استدعائه عبر نص أدبي أو فلسفي يطرح تفسيرا (ميتافيزيقي) للعالم، بل عبر (حدث) في العالم. حدث هو في صميمه تجليات لمأساة تقليدية، وكأنها "تراجيديا" مكتملة الأركان صنعها "سوفوكليس" على عجل ، يصر بطلها على الذهاب إلى قدره المشئوم باصرار مجهول المصدر، ولكنه بخلاف ما يرى "دريدا" في أي (نص) من النصوص، لا يحتمل كثيرا من (الألغاز المفخخة) التي تخفي أسراره عن المتأمل للوهلة الأولى، بل (حدث) يسلم نفسه ببساطة ساذجة لمن يسعى إليه، ويخبره في خجل مصطنع، بأن أبطاله مدفوعو إلى الهاوية، وعازمون على استقبال مصيرهم دون مقاومة.
هاهو الهامش يتغول على المتن، وها هي الأطراف تعاقب تسلط المركز، يأتي المغمور ليحتل صدارة المشهد، ويفرض سطوته التي كانت لوقت قريب تتجاهلها "النخب" القابعة في بؤرة الحدث. تأتي الثقافة المطمورة والمهمشة والمهجورة لسنوات لتستنشق هواء الحداثة (المتوهمة) التي صاغها أسلافنا تحت وطأة الصدمة والانبهار، والتي تبناها نخبة صنعها (الحاكم) بعطاياه السخية. تتصدر مقولات لا تحوي سوى (سذاجة وسطحية) عناوين الأخبار، وتحويها كتب هي الأكثر مبيعا. وبينما يتقدم العلم بفروعه المختلفة من خلال قفزات هائلة، وتتزايد حجم المعلومات والمعارف باطراد غير مسبوق يحتل اليمين المتطرف قلوب ملايين البشر ويسيطر على عقولهم عبر التكنولوجيا الحديثة وتطبيقاتها المتطورة.
من سنوات قليلة مضت كان من المؤكد أن تتعامل النخب الثقافية والسياسية مع أحداث تجري في اللحظة الراهنة بوصفها (حدث مستحيل) أو على أقل تقدير (نكتة سخيفة) بدءا بفوز "دونالد ترامب" برئاسة أمريكا، ذلك الرجل القادم من أروقة فنادق (صالات القمار) ومحافل تنظيم مباريات (المصارعة الاستعراضية) والذي لا يختلف كثيرا عن سياقات شبيهة سابقة قد أتت بشخصية إجرامية (كما يزعم التاريخ الأمريكي) مثل (دون كوروليوني) الذي يعتبره الشعب الأمريكي عدوا لهم، أو هكذا أرادت صناعة الإعلام في حينها أن تصوره، ذلك الرجل الذي تتناقض رؤيته العامة مع أبسط (القيم الإنسانية) أصبح يحتل دفة قيادة العالم (الحر). وانتهاء بتصريح أحد (نواب) الشعب المصري بأن كتابات (نجيب محفوظ) كتابات اباحية يستحق عليها العقاب.ولا يبرأ العالم بدوله (المتقدمة) و(المتخلفة) كافة من هذا المشهد (السيزيفي) بجدارة، فمنذ الأزمة المالية التي عصفت بالاقتصاد العالمي في العام 2008، والجميع يسعى إلى حرب كونية مازالت أطرافها تتشكل على استحياء عبر حروب صغيرة هنا وهناك، ليست سوى تعبير عن حرب (الكل ضد الكل). ففي سوريا تدور المعارك الضارية بين الإرهابي المتطرف وبين المستبد الدموي، ويطلق فيها على الأول (الثائر) بينما يطلق على الثاني (حامي سوريا ورمز وحدتها) في حرب تنتصر فيها الهزيمة، وفي اليمن يقاتل أعداء الحرية من أجل تحرر الإنسان.وتشهد بلدان أوروبية عدة صراعا دراماتيكيا بين إحساس عاطقي وساذج بالذنب لا يرتكز على (وعي وجودي) بأخطاء ارتكبها أجدادهم في حق البشر، وبين صعود ملحوظ للنازية والفاشية التي تمثل في الضمير الأوروبي آلة التدمير التاريخية التي يحذرون دائما عودتها. وبين هذا وذاك تتعثر خطى الديموقراطية المزعومة، ويعلو صوت الحديث عن (الحرية)  في قنوات إعلامية تزهو بقوتها، وتتباهى بقدرتها على (تصنيع) الحدث واحتلال أفئدة العامة وعقولهم.
يأتي "ترامب" بأصوات المهمشين الذين يهاجمهم في خطابه مدفوعا بكراهية الرجل الأبيض الذي يظن أنه صاحب أمريكا و(مكتشفها). وهكذا تفعل (الجماهير) في كثير من بلدان أوروبا، وهم عازمون على إظهار ذلك القبح المخفي خلف مظاهر حضارة تزعم أنها الأفضل. في (أمريكا) الشمالية حيث قامت حضارتهم المزعومة على جثث السكان الأصليين، وملايين (العبيد). وفي أوروبا حيثبنوا مجدهم على استنزاف موارد الآخرين وسحق تطلعاتهم. 
  • تعليقات المدونة
  • تعليقات الفيس بوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Item Reviewed: أحمد عبدالعليم يكتب: الهامش والمتن ...حرب الكل ضد الكل Description: Rating: 5 Reviewed By: 3aleem
Scroll to Top